القاضي عبد الجبار الهمذاني
19
المنية والأمل
الجبر ، لأنه أتى بسارق فقال : « لم سرقت ؟ » فقال : « قضى اللّه عليّ » ، فأمر به ، فقطعت يده ، وضرب أسواطا ، فقيل له في ذلك فقال : « القطع للسرقة ، والجلد لما كذب على اللّه » . ولما قال محاصرو عثمان حين رموه : « اللّه يرميك » ، قال : « كذبتم لو رماني ما أخطأنى » ، وهذا أيضا يقتضي إنكار الجبر . وقول عبد اللّه بن عمر حين قال له بعض الناس : يا أبا عبد الرحمن ان أقواما يزنون ويشربون الخمر ، ويسرقون ويقتلون النفس ويقولون : كان في علم اللّه ، ؟ ؟ ؟ نجد بدا منه ، فغضب ثم قال : « سبحان اللّه العظيم ، قد كان ذلك في علمه أنهم يفعلونها ، ولم يحملهم علم اللّه على فعلها . حدثني ( أبي ) عمر بن الخطاب أنه مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يقول : « مثل علم اللّه فيكم كمثل السماء التي أظلتكم ، والأرض التي أقلتكم ، فكما لا تستطيعون الخروج من السماء والأرض ، كذلك لا تستطيعون الخروج من علم اللّه ، كما لا تحملكم السماء مو الأرض على الذنوب ، كذلك لا يحملكم علم اللّه علما . ثم قال ابن عمر « 1 » : « لعبد يعمل المعصية ثم يقر بذنب على نفسه أحب إلى من عبد يصوم النهار ، ويقوم الليل ، ويقول : إن اللّه تعالى يفعل الخطيئة فيه » فهذا الخبر مصرح أيضا بإنكار القول بالجبر . وأما ابن عباس « 2 » ، ففي مناظراته لمجبرة الشام ما يقطع كل عذر ، وذلك أنه
--> ( 1 ) عبد اللّه بن عمر توفى سنة أربع وسبعين هجرية وهو : السيد الفقيه الجليل العابد الزاهد أبو عبد الرحمن عبد اللّه بن عمر بن الخطاب العدوي ، وكان قد تعين للخلافة يوم التحكيم ، مع وجود على والكبار رضى اللّه عنهم . وقال فيه النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « إن عبد اللّه رجل صالح » [ عن مجاهد قال شهد ابن عمر رحمه اللّه الفتح وهو ابن عشرى ومعه فرس حرور ورمح ثقيل فذهب ابن عمر يختلى لفرسه فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم إن عبد اللّه رجل صالح » رواه الطبراني ورجاله في الصحيح إلا أن مجاهدا أرسله الهيثمي . مجمع الزوائد 9 / 346 ] وقال : « نعم الرجل عبد اللّه لو كان يصلى من الليل » فكان بعدها لا يرقد من الليل إلا قليلا . وكان من زهاد الصحابة وأكثرهم اتباعا للسنن وتم له ذلك إلى أن مات . قيل : اعتمر قريبا من ألف عمرة . قال مالك : بلغ ابن عمر ستا وثمانين سنة أفتى في ستين منها . ولما مات أمرهم أن يدفنوه ليلا ، ولا يعلموا الحجاج لئلا يصلى عليه . ( شذرات الذهب ج 1 ص 81 ) . ( 2 ) عبد اللّه بن عباس الهاشمي توفى ثمان وستين من الهجرة عن إحدى وسبعين سنة . كان يقال له . البحر والحبر وترجمان القرآن وذلك أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم قال في دعائه له « اللهم فقّهه في الدين وعلمه